دقات يائسة علي باب القلب تلتمس دفء الأصابع قبل الرحيل والفناء
كتبهاعباس حمزة ، في 25 مايو 2007 الساعة: 00:05 ص
د . هيام عبدالهادى صالح
هذه قراءة نقدية لديوان الشاعر/ عباس حمزة في ثان إصدار له يحمل عنوان " دفء الأصابع" أصدره الشاعر علي نفقته الخاصة . إصداره الأول يحمل عنوان " دقات علي باب القلب" أصدره الشاعر علي نفقته الخاصة ضمن سلسلة " أصوات معاصرة ".
الديوان يضم ثلاثين قصيدة من شعر الفصحى.. وإن كان الشاعر يكتب العامية أيضا وله ديوان تحت الطبع.
وللوهلة الأولي أدركت أن ثمة تشابه كبير بين الديوانين عدا اختلافات بسيطة ونحاول في النهاية الإجابة عن التساؤل : رغم التشابه هل خطوات الشاعر في عالم الشعر ترسخ وتمضي للأمام أم أنها في حالة ثبات أم تتحرك في اتجاه آخر ؟ من خلال بعض انطباعات نقدية تتناول أدواته وأساليبه ورؤيته الفنية الخاصة.
( وميزة النقد الانطباعي أنه يجعل الناقد يعيش العمل الأدبي بروح الفنان فيكون قريبا من العمل وأسراره خلاف ذلك النقد العلمي المعتمد علي نظريات ).
وهناك بعض السمات المميزة للشاعر والتي تشابهت في الديوانين.
1- المتضادات ( الثنائية الضدية)
وظفها الشاعر للحصول علي جمال تنافر الضدين وإبراز الصورة مثل القبح مع الجمال يبرز كليهما كذلك لإبهار المتلقي أو إضاءة مساحة من القصيدة معتمة ) وحفل الديوان بالمتضادات كالديوان السابق مثل:
القابع .. العالق / أتصاعد .. أتساقط / ماض .. آت / رواحي .. مجيئي / سعيد .. شقي / قيظ .. برد / المد .. الجزر.
2- التشكيلات الصوتية
هي تشكيلات صوتية للحروف أو الكلمات المتشابهة أو إشتقاقاتها ) ( فالحروف لها قوة تفوق قوة الكلمات والجمل.. قوة اللغة المحبوسة في قيود المنطق ) وأمثلتها:-
قلقلة القاف في " سباق العيون "( استبقنا الباب / نغتسل في جحيم القبل / نتوارى عن ضجيج في المقل )
3 - اللوحة أو الصورة
الشاعر رسم في قصائده عدة لوحات فنية متكاملة مستخدما أبجديته كأداة فهو رسم صور علي سبيل المثال لـ :-
أ – الصوت : - لكلمات الدالة علي الأصوات جعل لها الشاعر دلالات خاصة ( فحيح .. نقيق .. خوار ).
ب – السكير:- في " أفكار سكري " ( هـ ء/ جدع أنا / أقيم حدود السكر) يسكر من همومه (( غلبه كما يقال)) وهو سكير لكنه واع فهو يذكر لنا وهو يترنح عمره في فزورة حسابية ( تسعون عاماً الا اثنين على اثنين الا اثنين) بينما السكير الآخر في " من وراء شبابها " يسكر من قبلة ( فألقتنى / بينَ شفاهِها الخمره / تجرعتُ 00 تجرعتُ / أجرُ أقدامِى السكرَى ).
4- استدعاء الموروث
( يتم استدعاء الشخصية محملة ببعديها التاريخي والفكري والفني لتؤدي دورا محددا ) في القصيدة شاعرنا في ديوانه السابق قام باستدعاء " امرؤ القيس " و " النابغة" وشعراء العرب القدامى " الحجاج و التتار والبرابرة كذلك " المعتصم " .
في ديوانه الجديد لجأ للتناص.
التناص والتفاعل النصي
كما هو عند سعيد يقطين (العملية التي تجري بين البنيات النصية في علاقاتها ببعض).
فالشاعر اقتبس من القرآن وتناص معه كمثال:
( أتقاطرُ من عليين / أطهرُ ثوبي / بدمٍ كذب ) أيضا (واستبْقَنا البَابَ / وقدَّتْ مِن قَلبي نَصيبها / فشَطِرَتْ بحري نصفَين / وانطلقتْ تَسَعَى ** واستْبقَنا البَاب / فألفْينا سيدَها / في يدهِ سَوطُ عَذاب ) وهو اقتباس واضح من سيرتي سيدنا يوسف وسيدنا موسي.
الصوفية كتوظيف للتراث
( الصوفية، بأيديولوجيتها الداعية إلى الانعتاق من أسر المادة والفناء في الذات الإلهية بديلاً لما أصاب الطبيعة الإنسانية من تشويه بسبب ارتباطها بالعرضي والزائل ) في " علي صهوة دموعي " و " أهواه " كما سيأتي شرحه في المعشوقة – الإله .
السلبيات
( تجمعت في ذهني حول شعره بعد رحلتي مع الديوان بعض سلبيات لا أهد ف من تسجيلها إلي التقليل من أهميته وقيمته وتفرده الفني وإنما أهدف إلي أبواب أغلقها الشاعر علي نفسه لو فتحها لقدمت إلينا ألوانا من العطاء الخصب ). وقد اختفت أهم سلبية لوحظت علي الديوان السابق وهي الغموض والنص يمارس الغواية. غواية يتفاوت فهمها وفك شيفرتها من متلقِّ لآخر فتتعدد القراءات حينها و قصائد هذا الديوان خلافا لسابقه كانت بلا غموض ويمكن فك شفرتها. كذلك اختفت مشكلة العناوين إلي حد كبير
العناوين مقبولة وموحية يمكن أن تستقر في ذهن القارئ عقب قراءة القصيدة.
1- الغلاف
دائما ما يختار الأديب أجمل وأرق الكلمات ليضعها علي الغلاف خاصة الكلمات الرومانسية التي تجذب القارئ ليقتني الديوان ويتصفح كلماته.. لكن القصيدة الموضوعة ليست أجمل القصائد كما في ديوانه السابق .
(قَالتْ : مالَ قلبُكَ تغْشَاهُ الثلوج / ويبيضُ في عشهِ النَوى / ويلوكُه فمُ التباعِد / لوكَ ملتذٍ قسي ) بينما الغلاف الخارجي جاء في صورة جيدة خلافا للديوان السابق.
2 – اللغة
( هي المعبرة المحتفظة بتدفقها المشحون بحرارة الحدث أو بسكونها الدال علي الحياد أو برهافتها في رسم وتشكيل صورة جمالية وربما في صمت يشي بالخوف والجمود).
و( لكل كاتب ذاتية تشكل رؤيته ومزاجيته ورغبته الخاصة في التعامل مع اللغة)
( لغة الشعر هي لغة السحر حيث تستنزل القوي الخفية من عالم الغيب ) و" الشعراء أمراء الكلام يتصرفون به كيف شاؤوا " .
وكما في الديوان السابق نبدأ باستخدام المهجور من الكلمات مثل :- ( المزن / المنون / أحيك رقاع / المتهلهل / رمس / يضطرم / مجامر ) وغيرها من الألفاظ التي تحتاج للرجوع للمعجم لفهم معانيها كذلك الألفاظ العلمية ( بوتقة الحنين وتسامح / ذرات الكربون / فسائل) أيضا ألفاظ غير مستساغة مثل ( جهالة / هبالة / غشيم )
وإن كان بعض النقاد يدافعون عن استخدام المهجور من الكلمات مثل:-
" حلمي سالم " في " ماهية الشعر" فيقول ( لغة الشعر جديرة بالجهد والبحث شأنها شان المعارف الأخرى. واللغة تحيا بالاستخدام وتموت بعدم الاستخدام واستدعاء المهجور من اللفظ العربي يساهم في إحياء المفردات التي اضمحلت من قلة الاستخدام ).
وأعتقد أن كم الألفاظ المستوحشة زادت عن الديوان السابق.
ومن وجهة نظري أن القراءة بغزارة في دواوين الشعراء المجايلين له ( وليس القدماء كما يبدو انه يتبع ) تزيد المعجم اللغوي للشاعر وتمنحه قاموسا وكما من المفردات والمترادفات يستخدمه بوفرة.
3- قصر الجملة الشعرية
( حديثا أصبحت المفردة تستقل بالسطر الشعري بوصفه دفقة دلالية متكاملة ) وقالوا ( كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة) وهنا قصائد شاعرنا تتراوح عدد كلمات البيت من كلمة إلي أربع كلمات لكن تشعر أن البيت ليس دلالة مكتملة تماما كما في الديوان السابق.أيضا تقسيم القصيدة إلي أبيات غير متساوية الكلمات مشكلة يجب أن يصل الشاعر إلي حل لها مثل :
( زدْ في أحلامى / لا تتركْ المدَّ / يلعقُ الصبرَ من جزرٍ عنيد / كفاني نفاقا / اليك عنى / فقدَ ضقّْتُ سيراً / بينَ أناملهِ ).
ولنا أن ندعو الشاعر للتوقف مع نفسه فمعظم المسالب في الديوان الأول تكررت في الثاني فلماذا لا يضع الشاعر علي عاتقه تلافيها في ديوانه الثالث والحل يكمن في القراءة والقراءة بغزارة للشعر المجايل فما أن نأخذ الأمور بجدية أو لا وليس عذرا ضيق الوقت أو كسب العيش.
خصوصية الشاعر والتواصل مع الحبيبة – القصيدة – الإله بالكتابة عبرالنوعية
يقول د/ محمد عبد المطلب ( الشاعر يظل شعره له خصوصيته وتفرده فالشاعر يستفيد من المعاصرين والسابقين ومن تجربته الذاتية ورؤيته للحياة ومن ثقافته التي تزود بها وينشئ من هذا كله مزيجا يجعل شعره نسيجا متفردا )*
من وجهة نظري أهم خصوصيات الشاعر التي أظهرت تفرده و اتضحت في قصائد الديوان هم :-
1- مسرحة القصيدة ( القصيدة السردية الحوارية ).
( هي جنس شعري منفتح علي الحوار وتقنياته والشعر يكون سرديا إذا كان هناك حوار داخل القصيدة أو وجهات نظر متعددة وللسرد حضور طبيعي .. ذلك يعطي النص خصبا وتنوعا وتعددا في الانتماء والشاعر لجأ للحوار ليستعين بها علي بناء قصيدته للأتي :
1- عجز الشعر عن الإحاطة بموضوع يتسم بالسعة.
2- لفظة " قالت " لإبعاد الشبهة عن الشاعر في أزمنة اختفاء القول.
3- الحوارية تسمح بتعدد اللهجات والنبرات داخل القصيدة.. ( يتحدث مثلا بلسان المعشوقة مستحضرا نبرتها وتجربتها وأشواقها………… .)
4- المونولوج ( الحوار الداخلي ) ترتد فيه الذات المبدعة المنشطرة المتمزقة الوحيدة المفتقدة للجماعية والمنقطعة الصلة بالآخرين لتمارس حوارها الداخلي الصامت أو الصارخ ) .
وشاعرنا / عباس حمزة مسرح قصائده عبر حواريات في عدة قصائد مثلما في ديوانه السابق حتى إنه أصبح متفردا في هذا ويبدو في " وصف" ( قالت : صفني ) وقد تكررت عدة مرات ( قالت : صفني ). أيضا توهمات الرؤيا " ( تصيح : يارب ) كذلك " ظمأ " (- كفاكَ ألا تمتلئ ) و" دفء الأصابع" (قاَلتْ : لا / لم يعْد/ يكفيني قيظُ أنامِلك ).
2-الرومانسية (الحبيبة- الإله / الحبيبة – القصيدة / الحبيبة– المعشوقة)
يقول " محمد إبراهيم أبوسنة " ( الحب والشعر كلاهما سعي حميم لعناق العالم وتعبير بالغ الإنسانية عن الجمال).
ويقول " أحمد سويلم" ( الحب هو أول الأبواب الموصدة التي يستطيع الشاعر كفنان أن يفتحها ويظل زمنا مأخوذا به .. بل أن قيمة الشاعر الحقيقية تكمن في كيفية شعوره بالحب والتعبير عنه ).
يفاجئنا " أحمد عبد المعطي حجازي " بقوله ( ربما كانت قصة الحب حلما لم يتحقق أو خيالا يستدعيه الشاعر الموهوب المجرب ويعيشه كأنه واقع وينفخ فيه من روحه ومن روح اللغة التي يكتب بها.. يحوله إلي حقيقة يقنعنا بصدقها ويفتننا بروعتها ).
وللوهلة الأولي تري أن العشق والمرأة محورا تدور حوله معظم قصائد الديوان في عصر باتت فيه الرومانسية والمشاعر ضربا من البضاعة التي بار سوقها المزدحم بالواقع و اليومي المعاش.
مع تعدد القراءات تكتشف أن الشاعر يتخذ المرأة كوسيلة ليصل لمعاني أعمق ورؤية للعالم أجمل.
فهي (( الحبيبة – الإله)) و (( الحبيبة – القصيدة )) كذلك (( الحبيبة – المرأة )) واختفت تماما (( الحبيبة – الوطن )) والتي كانت في قصائد الديوان السابق.
1- (( الحبيبة – الإله)) في كثير من القصائد علي سبيل المثال :
في" أهواه " ( ألقاهُ عشقاً / يبتسمُ 00 يرحمُنِى / فيعفوٍ عن ذنبي / إفراطى / أدراني / يتجلى فبرحمةٍ يندكُ الجبلُ الصامدُ في احشائى ).
وفي " علي صهوة دموعي" ( فدعني أغوص ببحر هواك / إليك رواحي مجيئي / صلاتي صيامي / ذنوبي همومي / مني إلَّي).
2- (( الحبيبة – القصيدة )) في القصائد علي سبيل المثال : في " ولادة " ( أسعى حثيثاً / حيثُ قافيتى / على نغماتها / قلقُ رقيق / مالي أراهُ / يعيثُ في أركانها الفحيح / دعنى أُيُّها النبتُ الجميل ).
وفي " مستحيل" ( ألهو بين شطآن العيون / أضاجع الآلام .. أحمل بالقصائد / تأباني لحظة الطلق الجميل ).
3- (( الحبيبة – المرأة )) أفرد الشاعر للحبيبة – المرأة معظم قصائد الديوان وهو ما يستحق منا وقفة خاصة بدءا من العنوان " دفء الأصابع " والدفء دوما يأتي بعد البرد وهي تعبير عن الاحتواء والاحتضان والتواصل مع الآخر و الأصابع الدافئة أيضا تتصل دوما بقلب دافئ المشاعر يمتلئ حبا.
وتأرجحت التجربة الشعورية للديوان بين الوصال (ونادتنْى / من وراءِ شبابِها / أن هَيا ) و(سطعَتْ / في بهو القَلب / تزرعُ وردةً ) (يداكِ / هما مثلُ كلَّ الأيادي / لحمٌ ودمْ / لكنّ مَحبتي قد أينعت / في دُخَان لفكر / بعض الرقصات ) وأيضا ( لكَ الصبحُ برئً كالطفلِ ).
والهجر في ( ناءتْ …../ تباعدتْ………/ سارتْ تَنهبُ المسافاتِ ) و (لا زالتْ بالقلبِ أشياء / قد دُستْ عنوه / بشقوقِ أحدثها الهجرُ ) و أيضا ( سجدتْ في محرابِ ذبح العشقِ ) وكذلك (ألملِّمُ أشياءك / من أرففِ قلبي ). و نجح الشاعر في التعبير عن تلك المشاعر سواء في الوصال أو الهجر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























